عبد الملك الجويني
280
نهاية المطلب في دراية المذهب
والوجه الثاني - أنه يقع ، لأن حمل قوله : " حيضة واحدة " على حيضةٍ واحدةٍ من كل واحدة ممكن ، وإذا أمكن تنزيل اللفظ على ممكن له تصوّر ، وجب حمل اللفظ عليه ، فإن مبنى النطق على ألا يُلغى ما أمكن استعماله ، وهذا قطب في الكتاب ، فليتنبه المرء له ، وهو إذا تردّد اللفظ ( 1 ) على وجه يحتمل استحالةً ويحتمل إمكاناً ، فمن الأصحاب من لا يُبعد الحملَ على الاستحالة ؛ حتى لا يقع الطلاق ، ومنهم من يوجب الحمل على الإمكان حتى لا يلغو اللفظ ؛ فإن التعرض للاستحالات يكاد أن يكون كالهزل ، وهَزْلُ الطلاق جدّ . وعن هذا قال قائلون : الطلاق المعلَّق بالاستحالة على التصريح يتنجز ولا يتعلق . ومن الأصل الذي نبهنا عليه قول القائل لامرأته وأجنبية : " إحداكما طالق " ، فإذا زعم أنه أراد الأجنبية ، فهو من فنّ الحمل على المحال ، وفيه التردد الذي ذكرناه في فروع باب الشك . وإذا قال لامرأتيه : إن حضتما ، فأنتما طالقان ، فقالتا : حضنا ، نظر : فإن صدّقهما ، طُلِّقتا ، وإن صدق إحداهما وكذَّب الأخرى ، طُلقت المكذَّبة ( 2 ) ، لأن صاحبتها مصدّقة وقولها في حق نفسها مقبول . هذا ما ذهب إليه جماهير الأصحاب ، ووجهه ما نبهنا عليه من أن المكذَّبة مصدّقة في حق نفسها ، والمصدّقة يثبت حيضها بتصديقها ، وأما المصدَّقة ، فإنها لا تطلق ؛ فإن حيضها وإن ثبت في حقها ، فحيض المكدَّبة لا يثبت في حقها ، فلم تطلق المصدَّقة ؛ من جهة أن حيض المكذَّبة غيرُ ثابت في حقها . وإذا كذبهما لما قالتا : حضنا ، لم تطلق واحدة منهما : هذه لا تطلق ؛ لأن حيض صاحبتها مردود في حقها ، والأخرى لا تطلق بمثل هذه العلة .
--> ( 1 ) في الأصل : إذا تردد اللفظ له على وجه يحتمل استحالة . . . ( 2 ) تطليق المكذَّبة ؛ لأنه وقع الحيضان ، حيضُها بإقرارها - فيما لا يعرف إلا من جهتها - وبحيض صاحبتها . وعدم تطليق المصدَّقة ؛ لأنه لم يقع الحيضان بالنسبة لها ، فهي مصدّقة في حيضتها ، أما صاحبتها ، فلا اعتداد بحيضها وقد كُذِّبت .